رافع الإسلام

الإسلام في ضبط الأسعار

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
الإسلام في ضبط الأسعار - رافع الإسلام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلا هادى له ، وأشهد أن لا لإله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا رهباناً بالليل وفرساناً بالنهار وبعد .
فقد يسرت الشريعة الإسلامية للناس سبل التعامل بالحلال لكى تكون أجواء المحبة سائدة بين الأفراد ، ولكى تبقى الحياة سعيدة نقية ، لا يعكر صفوها كدر ولا ضغينة .
ومن أجل هذه الأهداف السامية حرم الإسلام الربا "أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا" (البقرة : 275 ) وحرم أكل أموال الناس بالباطل " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمً" ( النساء : 29 ) وحرم أكل مال اليتيم " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً" ( النساء : 10 ) وحرم الغش ( من غشنا فليس منا ) وحرم الاحتكار لما فيه من تضييق على عباد الله بقوله صلى الله عليه وسلم (لا يحتكر إلا خاطئ ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه )
ولما كان الاحتكار ركيزة من ركائز النظام الرأسمالى الحديث ، وسمة من سمات التعامل الاقتصادي فى معظم الشركات إن لم يكن فى كلها ، رغم أنه يحمل فى طياته بذور الهلاك والدمار لما يسببه فى ظلم وعنت وغلاء وبلاء ، ولما فيه من إهدار لحرية التجارة والصناعة ، وسد لمنافذ العمل وأبواب الرزق أمام غير المحتكرين ، فقد رأيت أن يكون موضوع بحثى (الاحتكار دراسة فقهية مقارنة ) فاسأل الله تبارك وتعالى السداد والإخلاص والقبول.
السبب الذي ارتفاع الأسعار:
ارتفاع الأسعار اليوم واحد من المشاكل الوطنية. تحيرت الناس العامة بسبب ارتفاع الأسعار. لقد ذهبت أسعار السلع الأساسية ذوي الدخل منخفض بعيدا عن متناول. واصلت الأرز البقول والزيوت وغيرها من أسعار السلع الأساسية في الارتفاع بين الحين والآخر. يخرج السبب بالاستعراض مفصل لارتفاع الأسعار استمرارا.وهي كمايلي –
1 - نقابة التجار هو السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار. فرقة واحدة معظم الأرباح الجشع و التجار عديمي الضمير.
2 - مبالغ جريئة الابتزازعلى أصحاب الصناعة ورجال الأعمال والمنتجين والتجار.
3 – آثار ارتفاع التضخم في السوق المحلية من السوق الدولية.
4 - زادت في أسعار نتيجة لزيادة الضرائب.
الاحتكار لغة :
عرفت مادة حكر فى قاموس لسان العرب لابن منظور كا يتضح فيما يلى :
أولاً : الحَكر بفتح الحاء وسكون الكاف ، ادخار الطعام للتربص وصاحبه محتكر .
ثانياً : الحَكر والحُكر بفتح الحاء فى الأول وضمها فى الثانى ، وفتح الكاف فيها بمعنى ما احتكر تقول : إنهم ليحتكرون فى بيعهم ينظرون ويتربصون ، وأنه يحكر بكسر الحاء وسكون الكاف – لا يزال يحبس سلعته والسوق مادة – أى ملأى حتى يبيع بالكثير من شدة حكره – بفتح الحاء وسكون الكاف الاسم من الاحتكار .
ومنه الحديث أنه نهى عن الحكرة ومنه حديث عثمان أنه كان يشترى حكرة ( أى جملة وقيل جزافاً ) وأصل الحكرة الجمع والإمساك .
فائدة :
ففى الأول معنى الحكر هو جمع الطعام ونحوه واحتباسه وقت الغلاء ولا يخفى ما يحدثه هذا الحبس من المضرة والإساءة للمحتاجين .
وفى الثانى معنى الحكر والحكر هو أن المحتكرين يحتبسون الطعام ينتظرون ويتربصون به الغلاء حتى يبيعون بالكثير من شدة احتكارهم .
أما الاسم من الاحتكار هو الحكر والحكر فمعناهما جمع الطعام ونحوه وإمساكه وحرمان الناس منه.
وهكذا وضح أن معانى مادة حكر تعنى كلها جمع الطعام ونحوه وحبسه عن الناس وهذا يؤدى إلى ظلم الناس وإساءة معاشرتهم .
الاحتكار فى اصطلاح الفقهاء :
لا يختلف معنى الاحتكار الشرعى الاصطلاحى عن معناه اللغوى ، وقد عرف عند الفقهاء بتعريفات متقاربة
التعريف المختار :
إن الاحتكار هو حبس مال أو منفعه أو عمل، والامتناع عن بيعه وبذله حتى يغلو سعره غلاءً فاحشاً غير معتاد، بسبب قلته، أو انعدام وجوده فى مظانه، مع شدة حاجة الناس أو الدولة أو الحيوان إليه.
حكم الاحتكار فى الفقة الإسلامى:
اختلف الفقهاء فى حكم الاحتكار على مذهبين :
المذهب الأول : أن الاحتكار محرم :
وهذا مذهب جمهور الفقهاء منهم المالكية، والشافعية على الصحيح عندهم، والحنابلة، والظاهرية، وغيرهم .
المذهب الثانى : أن الاحتكار مكروه :
وهذا مذهب جمهور الحنفية، وبعض الشافعية حيث عبروا عنه بالكراهة إذا كان يضر بالناس .
أدلة المذاهب ومناقشتها: أدلة المذهب الأول :
استدل الجمهور على حرمة الاحتكار بالكتاب والسنة والأثر والمعقول :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
قال الإمام القرطبى عند تفسيره لهذه الآية :
روى عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( احتكار الطعام فى الحرم إلحاد فيه) وقد فهم من هذا صاحب الاختيار الحنفى أن الآية أصل فى إفادة تحريم الاحتكار .
وفى إحياء علوم الدين للغزالى عند تفسيره لهذه الآية :
إن الاحتكار من الظلم وداخل تحته فى الوعيد. وما ذهب إليه الغزالى فى بيان وجه الدلالة هو القول الراجح إذ أن مدلول الآية عام ويدخل تحت النهى كل من أراد محرماً ولا شك أم الاحتكار داخل تحت نطاق هذا العموم الشامل للاحتكار وغيره ، فإن قيل إن الآية نزلت بسبب غير النهى عن الاحتكار قلنا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وأما السنة : فقد دلت أحاديث كثيرة فى السنة النبوية على تحريم الاحتكار ومنها :
1 * ما روى عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: لا يحتكر إلا خاطئ .قال الإمام الشوكانى رحمة الله فى كتابه " نيل الأوطار" : والتصريح بأن المحتكر خاطئ كاف فى إفادة عدم الجواز لأن الخاطئ المذنب العاصى .
وقال الصنعانى رحمة الله : الخاطئ هو العاصى الآثم ، وفى الباب أحاديث دالة على تحريم الاحتكار .
2 * ما روى عن معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من دخل فى شئ من أسعار المسلمين ليغلبه عليهم كان حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة .
وجه الدلالة من الحديث : دل هذا الحديث على معاقبة من يقدم على ذلك بمكان فى النار ، ولا يكون ذلك إلا لارتكابه المحرم .
3 * ماروى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من احتكر حكرة يريد أن يغلى بها على المسلمين فهو خاطئ .
4 * ما رواه ابن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه ، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله ) .
5 * ومنها ما رواه عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس ) رواه ابن ماجة .
6 * وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( الجالب مرزوق والمحتكر ملعون )
وجه الدلالة من هذه الأحاديث: قال الإمام الشوكانى رحمة الله : ولا شك أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها للاستدلال على عدم جواز الاحتكار، ولو فرض عدم ثبوت شئ منها فى الصحيح فكيف وحديث معمر مذكور فى صحيح مسلم ؟ ( نيل الأوطار جـ 5 ، صـ 267 ) .
وأما الأثر : فمنه :
1 * ماروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال : \" لا حكرة فى سوقنا ، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا ، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده فى الشتاء والصيف ، فذلك ضيف عمر ، فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله"
2 * ما روى أن عثمان رضى الله عنه كان ينهى عن الحكرة .
3 * ما روى عن على رضى الله عنه أنه قال : \" من احتكر الطعام أربعين يوماً قسا قلبه \" .
4 * ما روى عن على رضى الله عنه أنه أحرق طعاماً محتكراً بالنار .
وجه الدلالة من هذه الآثار : واضح من هذه الآثار النهى عن الحكرة ، والنهى يفيد التحريم ، ما لم تأت قرينة تصرفة إلى غير التحريم ، ولا قرينة فإن هذه الآثار تفيد ما أفادته الأحاديث السابقة .
وأم المعقول : فقد حكاه الكاسانى بقوله : ولأن الاحتكار من باب الظلم لأن ما بيع فى المصر فقد تعلق به حق العامة ، فإذا امتنع المشترى عن بيعه عند شدة حاجتهم إليه فقد منعهم حقهم ، ومنع الحق عن المستحق ظلم وحرام ، يستوى فى ذلك قليل المدة وكثيرها ، لتحقق الظلم .
أدلة المذهب الثانى : استدل القائلون بكراهة الاحتكار بالآتى :
1 * قصور الروايات الواردة فى تعداد ما يجرى فى الاحتكار من ناحية السند والدلالة لا تقوى بالتحريم ، كما لا تنتهض لأن تكون دليلاً عليه .
أجيب عن هذا : بأن الروايات غير قاصرة فى دلالتها على التحريم لترتبه على اللعن والوعيد الوارد فيها كما أن الاختلاف فى التعداد لا يعنى الكراهة دون تحريم .
فضلاً عن ذلك : فتصريح الحنفية بالكراهة على سبيل الإطلاق ينصرف إلى الكراهة التحريمية وفاعل المكروة تحريماً عندهم يستحق العقاب ، كفاعل الحرام .
2 * أن الناس سلطون على أموالهم وتحريم التصرف حجر عليهم .
أجيب عن هذا : بأن حرية المالك فى ملكه مطلقة ما لم يترتب على ذلك إضراراً بالآخرين إذ لا ضرر ولا ضرار، والضرر يزال، ودر المفاسد مقدم على جلب المصالح .
المذهب المختار : وبعد عرض مذاهب الفقهاء فى حكم الاحتكار وأدلة كل مذهب فإن مجموع الأدلة ترجح رأى جمهور الفقهاء القائل بتحريم الاحتكار وذلك لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة.
الحكمة من تحريم الاحتكار:
يتفق الفقهاء على أن الحكمة فى تحريم الاحتكار رفع الضرر عن عامة الناس ، ولذا فقد أجمع العلماء على أنه لو اتحكر إنسان شيئاً، واضطر الناس إليه، ولم يجدوا غيره، وأجبر على بيعه، دفعاً لضرر الناس ، وتعاوناً حصول العيش .
وفى هذا المعنى يقول أفمام مالك رحمة الله : " الحكرة فى كل شئ فى السوق من الطعام والزيت والكتان وجميع الأشياء والصوف ، وكل ما أضر بالسوق ... فإن كان لا يضر بالسوق فلا بأس بذلك" .
شروط الاحتكار المحرم:
من المتفق عليه بين الفقهاء : أن الاحتكار ليس هو مطلب الحبس ، قد يحبس الإنسان قوته وقوت عياله لسنة أو لأكثر دون أن يعد هذا الفعل من قبيل الاحتكار لما روى البخارى فى باب حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله : عن ابن شهاب الزهرى ، عن مالك بن أوس عن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم ( كان يبيع نخيل بنى النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم ) .
والحديث واضح الدلالة على أن هذا النوع من الإمساك حلال مباح ، وأنه ليس من باب الاحتكار المنهى عنه ، ومن ناحية أخرى فإن الحديث لا دلالة فيه على عدم جواز حبس القوت أكثر من سنة. وبناء عليه فإن الاحتكار المحرم هو ما توافرت فيه شروط مهينة ذكرها الفقهاء فى كتبهم وأقوالهم ، منها ما يلى :
أولاً : أن يكون الشئ المحتكر من الأقوات :
وقد بينت سابقاً أراء الفقهاء فى هذه المسألة، وأن القول الراجح هو أن الاحتكار يجرى فى حبس كل ما يحتاج إليه الناس من قوت وغيره فى الأولى بالاعتبار، لأن الأحاديث المطلقة تفيد ذلك، وحملها على إطلاقها هو الذى يناسب ما طرأ على الاحتكار من مستجدات ومتغيرات فى العصر الحديث .
ثانياً : أن يكون الشئ المحتكر قد اشترى من سوق البلدة: فإن كان مجلوباً من الخارج أو منتجاً من ضيعة المحتكر فإن حبسه لا يعد من قبيل الاحتكار لأمرين:
الأول : قوله صلى الله عليه وسلم :" الجالب مرزوق والمحتكر ملعون".
الثانى : إن حق العامة قد تعلق بالشئ المشترى من الداخل ، فشراؤه وحبسه إلحاق ضر بهم فى حين أنه لا يوجد هذا الحق فيما اشترى من الخارج ثم جلبه ، لأنه بإمكان المشترى الذى اشترى واحتكر أن لا يشترى ولا يجلب أصلاً ، وبإمكانه أيضاً أن لا يزرع ، وإن كان الأولى والأفضل أن لا يقوم بحبس ما جلبه أو أنتجه حتى لا يلحق ضرراً بالناس .
ثالثاً : أن يكون الشئ المحتكر قد اشترى فى وقت الضيق والشدة وغلاء الأسعار وأن شراءه واحتكاره قد ألحق ضرراً بالناس .
رابعاً : الوقت ، قيدت بعض الأحاديث الواردة فى النهى عن الاحتكار مدة الاحتكار بأربعين يوماً فقد ورد فى حديث ابن عمر رضى الله عنهما ( من احتكر طعاماً أربعين يوماً فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه ... ) .
وسائل منع الاحتكار وموقف الحاكم منه:
لا شك أن الاحتكار جريمة اجتماعية كبرى ، ولهذا كان محرماً ممنوعاً .وما من شك أن من كان عنده وازع دينى فإنه لا يحتكر ، لأن هذا الوازع الدينى قد غرس فيه الخوف من عقاب الله فى الدنيا والآخرة . وقد مر بنا من أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم أن المحتكر خاطئ ، أى آثم عاص ، وأن الله يقعده بمكان عظيم من النار يوم القيامة ، وأنه يصاب بالجذام والإفلاس ، وسواء أكان هذا على الحقيقة أم أنه رمز على أنه يصاب بعذاب دنيوى .
كل هذا كفيل بغرس الوازع الدينى الناهى عن هذه الجريمة التى هى فى حقيقتها جريمة استغلال رأس المال لحاجة الجماعة الملحة إلى الغذاء والكساء والمأوى وسائر شئون مرافقها الخاصة والعامة .والفقهاء متفقون على أن الحاكم بأمر المحتكر بالبيع لإزالة هذا الظلم ، فإن لم يفعل يبيع القاضى عليه جبراً ودون اعتبار لرضاه .
جاء فى الدر المختار : " ويجب أن يأمره القاضى ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله ، فإن لم يبع ، بل خالف أمر القاضى عزره بما يراه رادعاً له ، وباع القاضى عليه طعامه وفاقاً"
قال ابن عابدين معلقاً على ذلك : " وهل يبيع القاضى على المحتكر طعامه من غير رضاه ؟
قيل : هو على اختلاف عرف فى بيع مال المديون .
وقيل : يبيع بالاتفاق ، لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع ضرر عام ، وهو كذلك "
وقال النووى : قال العلماء : والحكمة فى تحريم الاحتكار : دفع الضرر عن عامة الناس ، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام واضطر الناس إليه ، ولم يجدوا غيره ، أجبر على بيعه دفعاً للضرر عن الناس.
ونخلص من هذا: بأن الحاكم أو نائبه يأمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت عياله بثمن المثل"
فإن لم يفعل \" عزره القاضى بما يراه مناسباً ، وباع عليه جبراً ودون اعتبار لرضاه وذلك مراعاة للمصلحة العامة . والله أعلم .
الخاتمـــة
وبعد : فهذا هو بحث ( الاحتكار دراسة فقهية مقارنة ) وقد توصلت من خلاله إلى ما يلى :
أولاً : إن الاحتكار جريمة اقتصادية اجتماعية ، وثمرة من ثمرات الانحراف عن منهج الله ، وقد تنوعت صورة ، وتعددت أساليبه .
ثانياً : إن الاحتكار لا يكون فى الأقوات فحسب ، وإنما يكون فى كل ما يحتاج إليه الناس من مال وأعمال ومنافع ، ذلك أنه من المقرر فقهاً ( أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أم خاصة ) فمواقع الضرورة والحاجة الماسة مستثناة من قواعد الشرع وعموماته وإطلاقاته ، فالاحتكار المحرم شامل لكل ما تحتاج إليه الأمة من الأقوات والسلع والعقارات ، من الأراضى والمساكن ، وكذلك العمال والخبرات العلمية والمنافع لتحقق مناطه ، وهو الضرر اللاحق بعلمه المسلمين من جراء احتباسه وإغلاء سعره .
ثالثاً: فيما يتعلق بالسلع واحتكارها، فإنه لا فرق بين أن تكون السلعة المحتكرة منتجة إنتاجاً خاصاً، أو مشتراة من السوق الداخلية، أم مستوردة من الخارج ، فالكل احتكار ما دامت النتيجة واحدة وهى لحوق الضرر .
رابعاً: إن على الدولة أن تتدخل لحماية أفرادها من عبث العابثين ومصاصى دماء الشعوب، وذلك باتخاذ الإجراءات المناسبة الكفيلة بقطع دابر الاحتكار وإعادة الثقة والطمأنينة إلى نفوس المواطنين. والله ما وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل